Wednesday, December 9, 2009
فى فيلم موت أميرة ، تواجه أميرة شابة الأعدام بسبب حبها لشاب سعودى،وخلال أحداث الفيلم يحاول صحفى تقصى حكاية هذه الأميرة، يلتقى الصحفىالبريطانى الذى رصد عملية الأعدام مع مربية إنجليزية فى القصور الملكية ،سعوديين وفلسطينيين ولبنانيين .
فى البداية يظن الصحفى أن القصة قد بدأت فى أحدى جامعات بيروت ، ولكنه سرعان ما يدرك خطأ ذلك، لقد بدأت وأنتهت فى مملكة الرمال ، مع كل مقابلة يجريها تتعقد حكاية الأميرة السعودية الشابة، يمزج كل راوى حكايته الشخصية خلال سرده لحكاية الأميرة، تبدو من خلال الحكايات مثل روح سبارتكوس الكامنة فى روح كل أنسان .. هل كانت رمز للثورة على الظلم أم كانت فتاة عابثة لاهية لا تقدر مسئولياتها كأميرة وعضوة فى أسرة حاكمة ..
خلال الفيلم ، لم أشعر أن الأميرة مشاعل فتاة عابثة لاهية ساعية إلى مغامرة ... ففى طيات الفيلم تبرز حيل نساء الأسرة الحاكمة السعودية لمواعدة الرجال .. فمن وراء النقاب .. المرأة هى من تختار و ليس الرجل..
كانت مثل نساء القصر، تستمتع بكل ما حولها من متع الحياة بأعتبارها أميرة .. كانت لا تختلف عن أى أمراة فى القصر: الإزدواجية فى الملابس خارج وداخل القصر ، مشاهدة احدث الأفلام وسماع الموسيقى ، ضعف المستوى الثقافى و التعليمى .. ربما كانت أكثر منهن حيوية ورغبة فى الأنطلاق إلى العالم الخارجى .. تم تربيتها وتلقينها على أن تكون أميرة سعودية .. مسئوليتها الوحيدة كانت الأستمتاع بكونها أميرة ومراعاة تقاليد القصور الملكية ..حتى بالنسبة لحظات الحب .. كان لابد عليها أن تسلك طرق حريم القصور الملكية لاستقطاب الرجال .. فعلى مر العصور، ابتكرت الحريم فى قصور الشرق والغرب الحيل للحصول على الحب الممنوع ..
لا أدرى هنا لماذا أربط ما بين حكاية الأميرة مشاعل والخروج من الخزانة ... فالخزانة ليست مقتصرة على المثلية .. لكل منا خزانة يختبئ فيها سواء كنا مثليين أو مغايرين .. رجال أو نساء .. شرقيين أو غربيين .. تختلف مدةالأختباء فى الخزانة من شخص إلى آخر أو حجم الأحساس بالذنب أو الأختلافات الشخصية والمجتمعية..
طبقا لتلك الأختلافات يقبع بعض الأشخاص فى الخزانة طوال حياتهم، وكان على الأميرة مشاعل أن تقبع فى الخزانة طوال حياتها ، ولكن الفتاة ذات التسعة عشر ربيعا سئمت الحياة داخل خزانة ضيقة ... لم تتكفى بمساحة الحرية المتوفرة لها فى الخفاء أو خلال رحلاتها إلى أوروبا.. أرادت أن تختار ... إختارت ساعتها الخروج من الخزانة .. الهروب إلى العالم الخارجى المحيط بالمملكة ..دبرت خطة ، أقنعت الجميع بغرقها ولكن خطتها لم تنجح .. لو كان سيناريو الفيلم مطابق للقصة الحقيقة .. أننى أجزم أن الأميرة قد أرادت لخطتها الفشل : الجواب للخادمة ، الخروج للشرفة كاشفة الوجه، التنكر فى زى رجل.. كلها أخطاء بسيطة تؤدى حتميا إلى الأخفاق والفشل.. كما تبرز أيضا رغبتها فى فشل الخطة..
عند مشاهدة الفيلم، طرأ فى ذهنى سؤال ، هل فكرت فى عواقب الفشل ؟
بالتأكيد لابد أن تكون فكرت فى هذه العواقب .. ولكنى لا أستطيع الجزم إذا ما كانت قد قبلت تلك العواقب .. أنها الأميرة المدللة المقربة من جدها..ربما ظنت أن عائلتها سوف تتقبل أختيارها ربما بعد شهر أو شهور أو سنوات .. ربما تأتى وتلتمس الصفح والغفران من الأب أو الجد أو كانت تراهن على حب عائلتها... لكنها أغفلت أن التقاليد سيفا مسلولا على رؤوس العائلات العربية، وكلما ارتفعت مكانة العائلة كلما اشتدت حدة هذا السيف، ربما تتغاضى العائلات العربية عن سلوكيات الأبناء، بشرط أن تكون ممارسة هذه السلوكيات داخل الخزانة، لكن حينما يحاول الأبناء تجاوز الأبواب المغلقة وإختراق الخط الفاصل ما بين العلن والخفاء، تكون العواقب وخيمة .. لكن جريمة الأميرة مشاعل الحب، هناك ملايين من النساء فى عالمنا العربى فعلن مثلها، بعضهن عازبات, متزوجات، ومراهقات ومسنات، متسولات وأميرات .. لكنهن مارسن الحب فى الخزائن المغلقة، فى الشقوق والجحور، تحت جنح الظلام .. جريمة الأميرة أنها أختارت الخروج للعالم الخارجى، ان تمارس حقها فى الحب فى العلن .. لكن فى مجتمعنا الحب العلنى خطيئة لا تغتفر .. يمكن أن نرتكب الخطايا فى الظلام .. ونتمتم بعبارات الأستغفار فى النور ..
فى القصة أيضا أبعاد أخرى، لم نعرف شعور الجد هو يصدر حكمه بالقصاص أو إنهاء حياة حفيدته ... ذكر فى عبارة عابرة أنه تم استبدال الأميرة بفتاة بدوية وان الأميرة موجودة فى سويسرا .. هناك عدد من الرواة يرجح مطالبة الجد من الأميرة عدم الأعتراف بارتكاب الجريمة ولكنه ارفضت ذلك .. لكن القصة الأكثر ترجيحا أن الجد هو القاضى الذى أصدر الحكم .. أحاول فهم أسبابه لأصدار مثل هذا الحكم ولكنى أعجز .. ربما عالمى البعيد عن حياة الأمراء والقصور الملكية والمختلف عن عالمه هو العائق فى الوصول إلىat 9:42 AM 0 comments Labels: alwaan masreya, Arab Woman, movies, sexuality, مرأة عربية, مقالات
الحقيقة .. فى تفهم أسبابه والأيمان بمبادئه .. التصديق على حكمه..بعد مشاهدة هذا الفيلم، لم أشعر برغبة فى أدانة احد ، فالتقاليد هى
الجانى ولكن الجميع مسئولأ عن موت أميرة البادية ...
ألوان مصرية
20 نوفمبر 2009
كلما أقتراب ميعاد وصولها يزداد توترى، منذ أسبوع بدأت فى عملية تنظيف المنزل، لا أجد أى شئ فى موضعه، وجدت الريموت كنترول فى البلكونة ، فى التواليت كتب ومجلات.. على الانتريه فرشة الشعر ، أما الاحذية فى ما بين المطبخ وحجرة النوم وتحت كراسى الأنتريه والمائدة .. معجون الأسنان كان فى التلاجة ..
أعلم أنها لن تكترث لفوضويتى ولكنى أشعر برغبة فى أن يبدو البيت على أحسن حال ... أذهب للتسوق .. أحاول عدم نسيان أحضار أى طعام تفضله .. أنواع البسكويت والجبن .. الصابون .. الشامبو ، أؤجل عملية شراء الخضروات والفاكهة لليوم التالى حتى تكون طازجة .
منذ شهور ، لم اقوم بهذه الأشياء .. الاستعانة بشغالة لتنظيف البيت وطلب المشتريات بالتليفون .. والبيتزا والسندوتشات الغداء أو العشاء المعتاد .. حتى دعوات أسرتى للغداء بائت روتين ممل ..
هل يتغيير هذا النمط الفوضوى من الحياة بمجردة الضغط على زر .. كتبت ميعاد وصولها وضغطت على أرسال .. تبدل كل شئ فور قراءة الرسالة .. لماذا؟
هى فى قلبى منذ الطفولة .. حبها ليس شئ جديدا ..لا أعتقد أنه غير سلوكياتى الفوضوية الفطرية .. كثيرا ما تزورنى ومع ذلك كنت لا أكترث لترتيب حجرتى ، فتبدو وكأنها ساحة مملؤة بمخلفات حرب.. كنا نمارس الحب على بقايا تلك المخلفات .. لم تكن تبدى أنزعاجها من جوراب أو قميص ملقى على الأرض أو السرير .. لم تتذمر قط من فوضويتى .. قالتها مرات ومرات .. أحبك كما أنتِ .. إذا تغيرت وأصبحت أكثر تنظيماَ سيكون جميلاً وإذا ما بقيت كما أنت لن يعنى ذلك أبداَ التوقف عن حبك .
يرن الهاتف .. اتبادل كلمات معدودة مع أخى ثم أرجع إلى تأملاتى ..ذكرننى صوت أخى بأحد أحاديثنا .. كان يشتكى من تصرفات زوجته .. ساعتها قارن ما بين شخصيتى وشخصيته .. قال بهدوء " منذ طفولتنا وانت تختارى سعادتك وتتحملين العواقب مهما كانت .. لكن العواقب سيف مسلط على رقبتى .. بسببها أتحاشى المواجهة وأختار أسهل البدائل". حينما حاولت النفى .. استطرد " لينا كانت أختيار صعب ولكنها أسعدتك".
لقد تصورت أن الجميع لا يلاحظون علاقتنا .. مجرد فتاتان يقضين بعض الوقت سويا.. كم من مرة سخرت من سذاجة أخى ولكنى كنت غبية .. انه يرى ويسمع ولكن يرفض أن يتكلم إحتراما لخصوصية حياتى .. أتساءل كم واحد من عائلتى مدرك للحقيقة ..
إذا كان الجميع أو البعض يعرفون بما يدور فى الخزانة .. لماذا أبقى وأرفض الخروج منها .. أحاول تجميل هذه الخزانة لنسجن فيها سويا .. لقد أحسست برغبة لينا فى الخروج من الخزانة .. ولكنى أريد قمعها وحبسها للأبد.. منذ شهور، صرحت لى برغبتها فى العيش سويا والزواج وراء البحار .. مجرد التفكير فى هذا الموضوع فكرة غير مقبولة.. وضعت عدة سيناريوهات للحياتنا فى مدن ما وراء البحار .. لماذا تتجاهل رغبتى فى البقاء ؟ .. لا أريد اجتياز البحار مرة أخرى .. أريد البقاء فى أحضان بلاد الشرق الدافئة ... أن أتجول ما بين مدن أجدادى .. أنقب عن حكايات جدتى..
ذات مرة ، حدثتها عن قندهار ؟ جمالها وعاداتها ودفء طرقات المدينة ... لماذا لا نعيش هناك ؟ ذكرتنى أن المغول قد إجتاحوا قندهار ومدن شرقية أخرى .. بعد سقوط قندهار ، حاصر المغول مدينتها .. كراهية المغول للحياة أشعلت النيران فى المدينة ... بغض المغول للأنسانية دمر البيوت والمستشفيات ... لم تفرق السيوف ما بين محارب أو أسير أو جريح أو أمراة أو طفل .. لقد طالت النيران الجميع ... فى ظلامات الليل هربت لينا من المدينة وانطلقت روحها تهيم بمدن ما وراء البحار.. أخبرتنى أن ليالى ألف ليلة وليلة ومغامرات حاجى بابا قد إنتهت فى قندهار ومدن الشرق ... لم يعد هناك أى أنسان يريد الهجرة إلى قندهار ...
أخبرتنى أيضا أن نساء قندهار ومدن الشرق أصبحن جوارى، ذكرت لها أن جدتى حررت الجوارى حينما رفعت البرقع من على وجها.. نفت لينا حدوث ذلك .. استطردت قائلة ..كفاك ترديد الحكايات مثل ببغاء .. رفعت جدتك البرقع من على وجوهن ولكنها لم ترفعه عن عقولهن .. لايزال هناك ملايين من الجوارى يعيشن فى قندهار .. أجبرهن شيوخ المغول على قبول العبودية للأبد... إذا ما حاولت إمراة أن تتمرد على النظام المغولى .. تقتل و تصلب على أبواب المدينة ..
نظرت إلى عينى وقالت حبيبتى .. لن تستطيعِ التجول فى شوارع قندهار إلا خلف رجل .. لن تستطيعٍ قيادة سيارتك والذهاب إلى النهر .. حبيبتى .. لقد اغتصب المغول الكثيرات من نساء قندهار.. و سقطت بعض النساء فى أيدى رجال قندهار .. يتحرشون بأجسدهن فى الشوارع أو يغتصبوهن على مفارق الطرقات .. أن المثلية فى قندهار مصيرها السجن أو الموت .. لقد أصدر السلطان المغولى خط همايونى ... جرم فيه عشق النساء للنساء .. الغلمان للغلمان.. كما أفتئ شيوخ المغول بالقتل والرجم والحرق لأقراننا ...
أدركت أننا نتحدث عن قندهار مختلفة .. رفعت عينى للسماء و طلبت من أحد النجوم أن تحدث لينا عن قندهار .. كيف كانت قبل 50 أو 500 عام؟.. هزت رأسها أسفا وقالت لم تعد قندهار كما كانت .. قندهار القديمة مثل قارة أطلنطا بقاياها موجودة فى بحور وجدانك فقط، ممزوجة بقطرات دمائك وأنفاسك ودقات قلبك .. لن ترحل البلدة القديمة من عقلك .. لن تستطيعٍ الحياة وراء البحار ..
ألوان مصرية
16 نوفمبر 2009
مررت الدقائق ببطء، وددت لو أستطيع تحريك عقاب الساعة التى اختلس النظر إليها ما بين الحين والأخر ، ترغمنى التقاليد على الانتظار وتبادل الحديث مع عائلتى ، لعنت نفسى ألاف المرات لأصطحاب صديقتى لدعوة غداء عائلية.. منذ بداية وصولنا و ينتظر أبن عمى أى فرصة لتبادل الحديث معها، تستفزنى تعليقات أخى التافهة، أحاول أن اتابع أحاديث بنات العائلة عن الموضة ولكنى سرعان ما أفقد أنتباهى وأرجع إلى محاولات أبن عمى للاستحواذ على صديقتى ، لم تكن أخر صيحات الموضة أبدا محل أهتمامى ، يحكى لها موقف سمعته منذ أكثر من 15 عاما، إتساءل بينى وبين نفس لم يحدث له جديد؟!، لماذا توقفت عقارب الساعة؟ يبدو عليها الملل .. أدعوها لمرافقتى إلى البلكونة.. حالة من الصمت .. يكسرها منظر عاشقان .. تبتسم كل منا للأخرى .. أسند ذراعى على كتفها وأنا أسرد لها حكايات عن مغامرات طفولتى فى هذا الشارع، تعلو ضحكاتنا ولكنها تصمت فور انضمام ابن العم إلينا .. لم اسمع إلى أى حرف من كلماته ولكنى تمكنت من قراءة ما وراء الكلمات.. نظراته الموجهة لشفاه ونهود صديقتى .. لم يكترث لنظراتى الحادة أو نبرة صوتى الغاضبة، كانت الكارثة على وشك الحدوث حينما أطلق أخى أحد تعليقاته النارية، إلا أننى تمالكت أعصابى وانتظرت بضعة دقائق قبل أن أودع الجميع وأغادر.
إستمر أخى فى سخفاته، فعرض أن يوصل أبن عمنا صديقتى "عشان – على حد قوله - أنا ما بأعرفش أسوق" لم تنتهى هذه المسرحية الهزلية عند هذا الحد ولكن استمر الأثنان فى التهويل فى ردود أفعالى أثناء القيادة والتى تتراوح ما بين الأغماء وحالات الشلل المؤقت. وقبل أن ينفجر البركان بداخلى ، أنهت صديقتى المسرحية برفضها لخدماتهما.
لم أفتح فمى واستغرقت فى تفكير عميق ، لماذا حدث أو يحدث هذا دائما؟ لماذا أتحمل تلك السخافات ؟ تساؤلات البعض عن صداقتى بـ "لينا" .. يحسدنى الكثيرون على هذه الصداقة.. ولكن يضع البعض علامات أستفهام ، لم يجرؤ أحد من هؤلاء على توجيه سؤال مباشرً عن لينا.. ولكن هناك علامات استفهام وتعجب .. تردد جدتى عبارتها المعتادة "زميلة دراستها، فيها الخير لا تحتمل عليها الهواء" يهز عمى رأسه وكأنه ينفى ما فى راسه من تساؤلات"لكن كل صداقة لها حد ... صداقتهما بلا حدود.. أنها أقرب إلى حالة من حالات العشق " يتشجع أخى ويرسم على وجه ملامح التفكير ويقول " مش عارف إذا كانت أختى بتتسلى بالبنت يعنى ولا ناوية تتجوزها قريب " بالطبع لا يعجب جدتى تعليقه، تتهمه بالتفاهة وقلة الأدب ، ثم تبدأ فى سرد محاسن ومواقف لينا الأنسانية، خصوصا بعد الحادثة.
العلاقة أعمق من تساؤلاتهم وتحليلاتهم .. لينا رفيقة روحى ..لولاها لكنت فقدت عقلى، كانت أقرب لى من عائلتى وأشقائى وحتى نفسى.. حينما يضيق صدرى .. أريد بالبوح بمكنون قلبى من أحزان .. يفاجئنى اتصال تليفونى منها أو بريد إلكترونى تعلمنى فيها موعد وصولها.. مرات اجتازت ألاف الأميال للأطمئنان على أحوالى ، تزورنى وتحادثنى أكثر ممن يعيش معى فى نفس البلد أو المدينة أو حتى الشارع. نعم أننا زملاء دراسة ولكن ليس هذا كل شئ .
ربما كان الألم هو الرباط الأبدى بيننا .. كنت فى بداية مرحلة المراهقة حينما قضت اللوكيميا على حياة صديقتى، كان والدى يدرس فيما وراء البحار .. بقيت معنا أمى فى الوطن، لم تجد أمى مفراً من ارسالى لوالدى بعدما لم يفلح شئ فى كسر حالة الحزن التى لازمتنى لشهور، لم أرفض أو أؤيد قرارها، كان الوطن بدون صديقة طفولتى جحيماً لا يطاق..
وراء البحار، كان لقاءى الأول بـ " لينا "، كانت عربية مثلى ولكن الحرب والدمار هو سبب هجرة عائلتها، فقدت عددً من الأصدقاء والأقارب... كانت تفهم معنى افتقاد صديق ..ولكنها كانت تعى معنى الحياة .. لقد كان الموت يطير فوق رأسها عدة مرات.. منذ بداية إدراكها للعالم ، كانت رائحة الموت ممزوجة بالحياة.. لكنها تعلمت أن تلتمس شتئ السبل الممكنة للمحافظة على حياتها وحياة الأخرين،كان وجها أكبر من عدد سنوات عمرها.. تفهمت ألامى وكانت ترياق الشفاء لها..
على الرغم من معانأتها النفسية إلا أنه لم يكترث أحدً للتخفيف من ألامها، لقد ولدت وترعرت فى مجتمع يعانى من صدمة نفسية جراء الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار.. لم تطلب منى شئ أكثر من أن نتجاوز معانأتنا والأمنا سويا ... علمتنى لينا حب الحياة وسرقة لحظات السعادة والبهجة والاستمتاع بها..
رجعت إلى وطنى وظلت لينا وراء البحار ولكن علاقتنا لم تنتهى .. تجاوزت علاقتنا .. فضلت الألتحاق بجامعة فى وطنى على الدراسة بالخارج.. لاحقا .. بدأت لحظات الألتقاء الجسدى بينا.. عرف كلا منا الأخر .. أكتشف رغبته فى الألتحام المثلى وليس المغاير..
حينما وصلنا البيت، احتضنتى بقوة ورفعت رأسى بيدها ونظرت إلى عينى وقالت " أخيراً .. أصبحنا سويا .. عائلتك لطيفة لكنى أنا هنا من أجلك أنت فقط" .. قبلت رأسها ووجها واحتضنتها بين ذراعى ولكننى شعرت بالأنكسار والخذلان .. لماذا لا استطيع البوح بحبى لها؟ .. لماذا أتظهر أنها مجرد صديقة؟ .. كانت نظرات أبن عمى تخترق جسد حبيبتى كسهام مسمومة، عيناه تنزع ملابسها القطعة تلو أخرى، شعرت أنه يتمنى إمتلاك جسدها .. يحلم بالغوص داخلها واختراق أعماقها .. حينما كانت تتكلم كانت تثير رجولته .. هل كان يتخيلها وهى تتأوه من الحب وهو يستمتع بأكتشاف أنوثتها.. كانت أقرأ هذه الأفكار والمخايلات فى صوته وعينه .. إلا أننى كنت عاجزة عن الصراخ فى وجه .. أو أجباره على التوقف.. حتى على الأقل المطالبة باحترام علاقتى بها ..كيف سيكون رد فعله إذا ما عرف أنها محبوبتى؟! هل يبارك مثل هذا الحب أم يتحول إلى جلاد؟ كيف سيكون الموقف إذا ما كنا زوج من مغايرى الجنس مرتبطين سواء بعقد زواج أو حتى بدونه، أُجُزم أنه لم يكن يتجرأ على رفع عينه للنظر لوجه زوجة أو محبوبة أبن عمه .. كان سيحترم أختيارها لرجل أخر ولكن ارتباطها بأمراة حتى لو كانت أبنة عمه لن يعنى له أى شئ .. ربما تتراجع عن ميولها المثلية أو لعب البنات إذا ما جربت فحولته ..
لم تتركنى لأفكارى .. قرأت ما تخفيه عينى .. فقالت " عارفة أنا بأفكر فى أيه .. فى اليوم اللى ها يسمح فيه بزواج المثليين فى وطنك.. طبعا هاتتزوجنى ساعتها .. هانكون اول عقد زواج" ضحكت بمرارة قائلة " يا ترى مين ها يعيش .. كده انا مطمئنة أنك مش ها تدبسينى فى جوازة ... أحنا فى مرحلة فتاوى قتل المثليين ولا حرقهم فى نيران أو فى أحسن الأحوال رمي المثليين من فوق الجبال.. حياتى لسه بدرى على جوازنا هنا ".
ألوان مصرية
15 نوفمبر 2009
يعد الأفصاح عن الهوية المثلية أو ما يسمى بـ "الخروج من الخزانة" من المستحيلات للكثير من المثليات والمثليين العرب. عشرات ومئات القصص والحكايات عن رد فعل الأسر عند معرفة الحقيقة ، القلة القليلة من الأسر تتقبل أبنائها أما الأغلبية فالتنكيل والطرد والعقاب يكون جزاءَ للبوح بهذا السر.
حينما فكرت فى أسباب الثورة والعقاب لم أرى أن التقاليد والعادات هى المبرر الوحيد. ولكن لقطة مشتركة فى عدد من الأفلام العربية جعلتنى أفكر بطريقة مختلفة ، أب يصفع أبنه ويقول له " أنت مش أبنى ولا أعرفك .. أنا متبرأ منك ليوم الدين". الخروج من الخزانة والتنكيل والعقاب بسبب الميول الجنسية أو حتى الاختيارات الشخصية والرغبة فى الصدق مع الذات والأخر ،أنها إشكاليات تلازم المثلى العربى.
مثل الكثيرات أريد الخروج من هذه الخزانة .. أريد أنا أكون صادقة كما علمتنى أمى " الصدق ينجٌى من المخاطر" ولكن شبح الأقصاء والأبعاد يدفعنى فى الأتجاه المعاكس.. يدفعنى هذا الشبح إلى الأختباء وتكوين جيتو من المهمشين أمثالى ، نختلس لحظات الصدق مع الذات والأخر فى غفلة من المجتمع. أحاول أن استجمع شجاعتى اصارح الأخر المتجسد فى وجه أمى بأننى أعشق إمراة وأن الحب المثلى ليس خطيئة .. حاولت مرات ومرات أن أكون مثل الأخرين ولكن فى النهاية أدركت أننى مختلفة .. كثيرا ما أنهارت شجاعتى أو دفعنى اضطرابى إلى مزج الجد بالهزل ، تعلو ضحكات متبادلة وانسحب بعدها إلى غرفتى والألم يعتصرنى .
أحاول معرفة أسباب خوفى وتراجعى ، و حديثى الهزلى الذى لا يصدقه أى عاقل، لماذا لا تفرق أمى بين نظرات الجد والهزل فى عينى ؟ كم مرة أجبرتنى نظرة من عيناها على الأستسلام والأعتراف بالحقيقة ، لكنى حينما أقترب من قريب أو بعيد إلى هذا الموضوع، لماذا تختلف نظرة عيناها؟ . تختفى تلك النظرات الصارمة ، وتحل محلها نظرات توسل أو شفقة من مصير مجهول. لسنوات طاردتنى هذه الأسئلة هل تعلم أم لا ؟ لم تعطينى عين أمى الأجابة على هذا السؤال، فسرعان ما تزوغ وتهرب بعيدا.
كانت الأجابة أمام عينى طوال الوقت، الحب من عائلتى ومجتمعى يشبه مصروف الجيب ،أحرم منه أذا ما ارتكبت أخطاء ، هذا الحب المشروط بالطاعة والخضوع للأدوارنا النمطية، أننا لا نرث فقط أموال وممتلكات عائلتنا ولكننا نرث أيضا أدوارهم وأمالهم وطموحاتهم . يجب على أخى أن يرث مظهر أبى الخارجى وسطوته وصنعته ، ربما عليه ايضا أن يرث أحلام والدى، فيرسم له خطة بالمسطرة لتحقيق هذه الأحلام، أما أنا لابد أن لا أحيد عن دور أمى، لكنى كنت محظوظة لقد سئمت أمى من دور المرأة والزوجة والأم ، رسمت لى دورا مغايراَ لأدوار النساء التقليدية فى مجتمعى، أختارت أفضل المدارس وأهتمت بتعليمى .. ملامح وجهى مطابقة لجدتى ولكنى وجه أكثر عصرية وحظا من الجدة والأم .. كانت هى أول من شجعنى على التمرد ولكن كان للتمرد حدود، ولم تكن المثلية ضمنها ، أننى أجزم أنها تعرف ما يدور فى الخزانة ، تذمرها بلا داعى من رفيقتى ومعاملتها لها التى تتراوح ما بين سيئ إلى اسوء وذلك تبعا للحالة المزاجية. تطاردنى نظراتها داخل الخزانة وأنا احتضن جسد حبيبتى.
ولكن إذا ما كانت تعلم لماذا تظهر العكس؟ لماذا تدعى الجهل ؟ وتتصرف وكأنها لا ترى ولا تسمع!! لماذا لا تواجهنى ؟ لماذا لا تصفعنى مثل الأمهات الأخريات أو حتى تتبرأ منى مثل الأباء والأمهات فى الأفلام المصرية؟ أ هذا عقاب جديد ابتكرته؟ هل سيكون " التجاهل التام " مصيرى الأبدى؟ أم ان العاصفة قادمة بعد ساعات أو ربما أيام أو شهور؟ لقد فضلت المواجهة على تجرع سم الانتظار .. ولكن زمام الأمور فى يدها ، أنها هى من تختار الزمان والمكان .. حاصرتنى سيول من الأسئلة والتحليلات إلى أن وصلت إلى رؤية منطقية لمشكلتى، ربما كانت تشعر بأنها السبب ، توريثى لأحلامها كان أكبر خطيئة ، ثارت وتمردت على العادات والتقاليد وسعت إلى تنشئة أنسانة مغايرة ومختلفة عن الأخرين، والآن تعاقبها الطبيعة ، لقد حولت ابنتها إلى عاشقة للمرأة، هل ترى نفسها المسئولة الأولى عن ميولى الجنسية؟!.
كان هذا التحليل أقرب للمنطقية ، حينها شعرت بالشفقة على أمى ، الذنب ليس ذنبها أو ذنبى، لو فى حاجة غلط أو مختلفة ده مش ذنب أحد. لا أحد فينا مخطئ ولكننا مسئولين .
تعمدت أن أقبل صديقتها بطريقة رومانسية أمام عيناها ، ربما تثور أو تنفعل أو توجه نظرة نارية ولكن أى من ذلك لم يحدث .. لأول مرة أرى نظرة استسلام مختلطة بتجاهل ... حاولت لأيام الأنفراد بها ولكنها كانت تتهرب من الحديث معى بحجج واهية ، لم أستطيع تحمل هذا الألم للنهاية، لم أكن أريد مباركتها لميولى أو حتى تقبلها .. كل ما أريده أن أزيح هذا العبء من على صدرها بطريقة أو أخرى، حتى لو لفظتنى للأبد أو رمتنى فى الشارع ، مش مهم ولكننى لن أكون سبب فى معاناتها.
الأعتراف يحمل فى طياته بمخاطرة، فى هذه الحالة يجب عليها أن تتأخذ موقف وغالبا سيكون رد الفعل التقليدى، ستشعر ساعتها بألم مضاعف، أنها المخطئ والجلاد الذى أوكل له المجتمع مهمة تأديب الخارجين.
على الرغم من سطحية تناول فيلم يعقوبيان لشخصية المثلى ، إلا أنه كان مفتاح المناقشة بينا، بدأت بالحديث عن ظلم المؤلف لأسرة الشخصية المثلية بالفيلم،ارتسمت ملامح الدهشة على وجه أمى وقالت يعنى أفهم من كلامك أنك شايفة أن أمه ليست هى السبب؟ استطردت قائلة، مافيش حد مسئول عن الميول الجنسية لأى شخص .. ده جينات الأنسان.. العلم هايفسر الموضوع بشكل أفضل فى المستقبل.. قطبت حاجبها وقالت .. عشان كده انا مش معجبة بالنهاية ليه انسان ناجح زى حاتم يموت .. كل ده عشان ميوله الجنسية وايه يعنى!!! .. كمان مش عاجبننى اللى حصل بعد المشهد.. الناس فى السينما قامت تصفق لم اتقتل ليه الكراهية دهٍ!!..
شعرت برغبة فى احتضانها واحتضان المارة بل العالم بأكمله، أخيرا حدث اعتراف بيننا. فى تلك اللحظة، أدركت أننى أستطيع الخروج من الخزانة إذا ما توقفت عن لوم نفسى وتوقف الأخرين عن لوم أنفسهم بسبب ميولى، وأيضا طالما لدى هذا الحب غير المشروط بالطاعة والولاء للمجتمع وتقاليده .
ألوان مصرية
14 نوفمبر 2009
كالعادة فى أخر لحظة تم إلغاء بعض المواعيد، إلا أننى لم أستطع تحمل رفاهية البقاء فى المنزل خلال عطلة نهاية الأسبوع، فضلت الذهاب إلى المكتب للأنهاء بعض الأعمال التى غالبا لا تنتهى. كان كل شئ فى الشارع معتاد، البواب النائم على مقعده ، الحديقة المجاورة المحاطة بالأسلاك وبعض المارة ، إلا أنه بمجرد الخروج للشارع الرئيسى شعرت بأن شئ جليلا عظيما قد حدث، أعلام مصر فى كل مكان ، على الشرفات ومداخل العمارات ، حتى أن السائقين قد علقوا الأعلام على سياراتهم، تساءلت ماذا حدث ؟ هل استغرقت فى نوم طويل مثل أهل الكهف ولم اشارك فى صنع أو حتى متابعة هذا الحدث التاريخى الذى من أجله ترفع أعلام الوطن على المنازل والدكانين والسيارات؟ مشيت على استحياء وانا خجلانة من السؤال .. ربما استطاع العرب رفع العلم الفلسطينى على اسوار البلدة القديمة فى القدس، أو حتى استجابت اسرائيل للضغوط المصرية وتوقفت عن سياسة تهويد القدس، أو استقال مجلس الوزراء وأعلان فشل سياساته ودعى لتشكيل حكومة جديدة ... بلاش سياسة مالها الحكومة المصرية ، ده حققت إنجازات ما حصليتش ، أمتى أتحطت الأحذية أمام السفارات المصرية فى الدول العربية ولا انضربت سفاراتنا بالطوب ، أمتى كان لوزير خارجيتنا الشرف ومسك يد السيدة المصونة تسيبى ليفنى ويا حرام طالبها بضبط النفس حينما أعلنت من القاهرة "انها يا حرام قرفت من حماس و اتخنقت ومش قادرة تستحمل وكفاية كده بقى يا جماعة " سيبك من السباسة الخارجية وخلينا نفكر فى أحوالنا الأقتصادية، ياترى حصل أيه ، هل تمكنت حكومتنا الرشيدة من القضاء على الفقر والجهل والمرض والفساد ؟ بلاش طمع ، حاجة واحدة تكفى مثلا: دعم احتياجات المواطنين الذين يعشيون تحت خط الفقر، أو نظام تعليمى عصرى ، أوتحسين الخدمات الطبية المتدهورة ، أو بطلت تستورد المبيدات المسرطنة والأدوية الفاسدة وقبضت على رجال الأعمال اللى سرقوا القروض، أو خلاص مفيش حوادث القطارات والطرق اللى مشابهة لحرب الكواكب،أوعلى الأقل انتصرت بالحوار وواجهت التأسلم السياسى أو حتى قالت أن القانون والدستور فوق الكل وده حفاظا على الحقوق والواجبات لجميع المواطنين .. ألف سؤال وسؤال .. ماذا فعلنا للوطن حتى نستحق شرف رفع العلم المصرى؟
لا أدرى إذا ما كان اللاوعى قد اختار التاكسى الذى ركبته، كان سائقه من القلائل الذين لم يرفعوا العلم ، ولكن بمجرد أن دخلت السيارة التقطت أذنى نغمات الراديو، صوت المذيع مشابه لصوت أحمد سعيد مذيع صوت العرب خلال الحقبة الناصرية، كان صوته يثير الحماسة فى داخلى ، يشعرنى بالواجب الوطنى المقدس، بالرغبة فى المشاركة فى المعركة، بالتضحية بروحى ودمى من أجل كرامة وطنى وعزة أبنائه.
وقبل أن أهتف بالروح بالدم نفديك يا مصر .. سمعت المذيع يتحدث عن مباراة مصر والجزائر للتأهل لكاس العالم . ساعتها شعرت بالدونية والرغبة فى البكاء وأنا اشاهد العلم المصرى مرفوع على أحد مطاعم الأسماك ، تذكرت كرامة العرب المهدورة على أسوار القدس حينما سمعت تصريح محمد زيدان مهاجم منتخب مصر بـ "أنه سيحرق قلوب الجزائريين في القاهرة يوم الـ14 من نوفمبر ردا على حرق قميص المنتخب المصري ووضع صور فنانات بدلا من لاعبي منتخب مصر " ابتسمت خلال استغراقى فى تصريحات زيدان "الجزائريون يحقدون على مصر لأنها دولة متقدمة وتعتبر هوليود الشرق ". لم الاحظ أن هناك طفل لم يتجاوز العشر أعوام يستجدى من سائقى السيارات، ثم عبست أساريرى وانا أتذكر معبر رفح ومشاركتنا فى تجويع ما يقارب من مليون وثلاثمائة الف نسمة ولكن تجاهلنى الراديو واستمر فى إذاعة أغنية وطنية وكأنه بيطلع لسانه لى .